الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

211

نفحات الولاية

ثم قال عليه السلام : « وآيم الله « 1 » اني لأظن بكم أن لو حمس « 2 » الوغى « 3 » واستحر « 4 » الموت ، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب إتفراج الرأس » . فقد أشار الإمام عليه السلام إلى عدّة أمور بهذا التشبيه : الأول إنّ مكانته وإن كانت بمثابة الرأس من الجسد ، ولكن هل للرأس - الذي يعتبر مركز الفكر ويضم العين والاذن واللسان - أن يفعل شيئا دون سائر الأعضاء ؟ والثاني : هل من حياة ووجود لهذا الجسد إن فصل عنه الرأس ، وإن كان فيه فهل له فعل شئ دون معونة العقل والفكر والسمع والبصر . وأخيرا يتعذر التئام الرأس بالجسد إذا ما فصل عنه ، بينما ليست هنالك مثل هذه الصعوبة في التئام سائر أعضاء البدن . وعليه فان مراد الإمام عليه السلام هو أنكم تنفرجون عني وليس لكم العودة إلي إذا حمي الوطيس وأخذكم الخوف فهربتم مني كما احتمل بعض الشرّاح أنّ المراد بقوله : « أنفراج الرأس » هو فلق الرأس بضربة السيف التي تأبى الالتئام . « 5 » عوامل أخرى للضعف والهزيمة يتطرق الإمام عليه السلام بفضله زعيماً إنسانياً وسياسياً وعسكرياً - في هذا القسم من الخطبة - إلى العوامل التي تقف وراء الضعف والفشل والهزيمة ، فيجملها بعبارات قصيرة بعيدة المعاني وفي مقدمتها التشتت والفرقة وعدم امتلاك الزعيم الأوحد ، الأمر الذي يشاهد بوضوح اليوم في

--> ( 1 ) أوردنا شرحاً وافياً في المجلد الأول ذيل الخطبة رقم 10 لعبارة « وآيم الله » التي تفيد مفهوم القسم . ( 2 ) « حمس » من مادة ( ح م س ) بمعنى اشتد وصلب ، والحماسة والتحمس بمعنى التشديد والتشدد ولا سيما في الحرب ويقال الأحمس للرجل الشجاع الذي يقف بصلابة بوجه العدو . ( 3 ) « الوغى » بمعنى الضجيج والصوت والجلبة في ميدان القتال ، كما يقال لنفس الحرب الوغى ، وهكذا وردت في العبارة . ( 4 ) « إستحر » من مادة « حرر » بمعنى اشتداد الحر ، وهو إشارة لايثار الفرار على الثبات في المعركة إذا اشتد القتال وبلغ حدته . ( 5 ) يبدو هذا الاحتمال مستبعدا لوجود التقدير في الجملة ، لان العبارة « قد إنفرجتم عن ابن أبي طالب » تتطلب أن يكون تقدير العبارة « إنفراج الرأس » هو « إنفراج الرأس عن الجسد » أو « إنفراج الجسد عن الرأس » كما ورد مثل هذا التعبير في الخطبة 97 « انفرجتم عن علي بن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها » . والعجيب ما أورده شرّاح نهج البلاغة من تفاسير غريبة لهذه العبارة ، حتى ذكروا ثمانية وجوه أو أكثر لا نرى ضرورة للخوض فيها .